نساء «آل تيودور»: كيف صنعت الدهاء والأمومة تاريخ إنجلترا بعيداً عن ظلال الرجال؟
يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز العصور حظوة بالاهتمام في الذاكرة التاريخية لإنجلترا؛ فهو العصر الذي تبلورت فيه القومية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وازدهرت فيه الفنون. ورغم الثراء الدرامي والسياسي لهذه الحقبة، إلا أن السرديات التقليدية ظلت تتمركز حول حكامها الرجال، ملقيةً بالنساء إلى الهامش.
من هذه الفجوة التاريخية، تنطلق الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها الصادر عن دار «ديوان للنشر» بعنوان «نساء آل تيودور»، لتقدم قراءة مغايرة تُعيد رسم المشهد السياسي والاجتماعي للقرن السادس عشر من منظور النساء اللاتي شاركن في صناعة القرار وحفظ السلالة.
وثائق غير تقليدية لاستعادة الأصوات الغائبة
توضح المؤلفة أن البحث عن حضور المرأة في تاريخ كُتب بأقلام الرجال تطلب الذهاب إلى ما هو أبعد من الوثائق الرسمية؛ حيث اعتمدت على:
* سجلات البرلمان ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء.
* الكتيبات الشعبية التي رافقت دخول الطباعة إلى إنجلترا.
* تحليل الموسيقى والبورتريهات الملكية وما تكشفه الملابس والحلي من تفاصيل الحياة اليومية.
وتبرز في الكتاب مفارقة تاريخية لافتة: فقد بدأ حكم أسرة تيودور بدهاء امرأة، وانتهى بعظمة امرأة أخرى؛ إذ صعدت الأسرة للعرش بفضل التخطيط السياسي لمارغريت بوفورت، وانتهت السلالة مع حفيدتها الملكة إليزابيث الأولى.
هندسة السلطة: بين طموح مارغريت وأمومة إليزابيث
تسلط الباحثة الضوء على الدور المحوري لـ مارغريت بوفورت، التي استغلت حالة الاستنزاف الناجمة عن «حرب الوردتين» بين عائلتي يورك ولانكستر لتأمين العرش لابنها غير الشرعي نسبياً «هنري السابع»، ودفعت باتجاه تزويجه من «إليزابيث» وريثة بيت يورك لدمج البيتين المتصارعين ومنح الحكم شرعية مطلقة.
ولم تكن إليزابيث (زوجة هنري السابع) مجرد رمز للصلح، بل جسدت الدور الإنساني والأمومي في إعداد الورثة؛ حيث تُشير الوثائق وتطابق الخطوط إلى أنها قد تكون المدربة الأولى لابنها الملك الشهير «هنري الثامن» على الكتابة.
أجساد الملكات.. خط المواجهة الأول بين الحياة والموت
يتناول الكتاب الصلة القاسية بين إنجاب الورثة وبقاء الدولة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، بل معبراً لشرعية السلالة وسط مخاطر صحية جمة:
* وفيات الأطفال والنساء: كان خُمس الأطفال يموتون قبل سن الخامسة، وتفقد امرأة من بين كل 40 حياتها أثناء المخاض، مما جعل دخول غرفة الولادة أشبه بفرصة مواجهة مع الموت تستوجب كتابة الوصايا والتوبة.
* كاثرين الأرجونية والانفصال عن روما: تتجلى هذه الدراما في قصة كاثرين الأرجونية (ابنة ملكي إسبانيا وزوجة هنري الثامن)، حيث تحول تعثرها في إنجاب وريث ذكر بعد 20 عاماً من الزواج إلى أزمة سياسية ودينية حادة، انتهت بالصدام مع الفاتيكان وانفصال الكنيسة الإنجليزية عن البابوية.
ويخلص الكتاب إلى أن التاريخ الإنجليزي الذي خُلّد بأسماء الملوك الرجال، لم يكن ليدوّن لولا أدوار النساء اللاتي دفعن أثماناً باهظة في أروقة السلطة وغرف الولادة.
