من الكهوف إلى الأكاديميات.. مسار المرأة الإبداعي من التأسيس إلى الاسترداد
تعد فنون الكهوف السجل البصري الأول الذي عرفه الإنسان وأرّخه، ورغم أن هذه الفنون قد تكون أُنتجت في سياقات نفعية أو طقسية، فإنها تظل اللغة المكتوبة الأولى لإنسان الكهف التي وثّق من خلالها تفاصيل حياته وصيده. وهنا يبرز المعنى الحقيقي لنشأة الفن، كدافع فطري نحو التعبير وتوثيق الوجود الإنساني، ونقل الخبرات للأجيال التالية كإعلان صريح عن الحضور والوعي البشري.
وقد أعادت دراسات عالم الآثار الأمريكي دين سنو (Dean Snow) قراءة هذا الإرث البصري، إذ أخضع بصمات الأيدي المطبوعة على جدران الكهوف في فرنسا وإسبانيا (التي تعود إلى أكثر من 25 ألف عام) للتحليل القياسي التشريحي. وأثبتت القياسات أن 75% من تلك البصمات تعود لأيدي نساء، مما قلب السردية التقليدية لتاريخ الفن التي افترضت أن “الرجل الصياد” هو الفنان الأول، ومؤكداً أن حضور المرأة الفني كان فعلاً تأسيسياً أصيلاً بدأ مع فجر الإنسانية.
التحول الاجتماعي وانحسار الدور الإبداعي:
* المجتمعات الزراعية والملكية: مع الانتقال من مجتمع الصيد والجمع التشاركي إلى الزراعة والاستقرار، ظهرت الملكية الفردية والنظم الأبوية، مما حصر دور المرأة في الحيز المنزلي والإنجاب، وأدى لتراجع دورها التأسيسي في الفنون الكبرى كالعمارة والنحت لصالح الرجل.
* الانكفاء نحو الفنون التطبيقية: تراجع النشاط الإبداعي للمرأة نحو الحرف المعيشية كالحياكة والتطريز، وتحولت تدريجياً من “فاعل مُنتج” للفن إلى “موضوع بصري” يتأمله الآخر ويصوغه كرمز للخصوبة والجمال.
* الاحتكار المؤسسي: احتكرت الورش والأكاديميات سلطة الرؤية والتأريخ، واستُبعدت النساء من الفضاءات العامة وأماكن اتخاذ القرار.
قيود الأعراف ونموذج الأكاديمية الملكية:
في كتابها «المرأة والفن والمجتمع»، طرحت المؤرخة ويتني شادويك (Whitney Chadwick) مثالاً للأكاديمية الملكية للفنون في لندن عام 1768؛ حيث تم تهميش الفنانتين المؤسستين أنجيليكا كاوفمان وماري موسر في لوحة يوهان زوفاني التوثيقية، وتصويرهما فقط كبورتريهين معلقين في الخلفية.
ولم يكن هذا الاستبعاد البصري إجراءً إقصائياً متعمداً بقدر ما كان انعكاساً للتقاليد الاجتماعية التي منعت النساء أخلاقياً من حضور جلسات دراسة التشريح الحي حول عارض عار. وقد تكرر هذا النسق المؤسسي في أوروبا، حيث ظلت أكاديمية الفنون الجميلة في باريس مغلقة أمام النساء حتى أواخر القرن التاسع عشر.
إن مسار المرأة في تاريخ الفن لم يكن خطاً تصاعدياً بدأ من العدم، بل كان مساراً معقداً بدأ بفاعليتها الأولى في الكهف وتراجع بفعل التغيرات الاقتصادية والمؤسسية. لذا، فإن الحراك الفني المعاصر للمرأة ليس مجرد استجابة للحداثة، بل هو فعل استردادي تاريخي لإعادة تأصيل حضورها كقوة تعبيرية صاغت الوعي البشري منذ البدايات.
