القصيدة العربية بين الملاذ التراثي وأفق الحداثة: صراع الهوية والجمال

1787587_0.jpeg

لا يجد المتابع للمشهد الثقافي العربي صعوبةً في ملاحظة الهيمنة الواضحة للقصيدة العمودية الكلاسيكية؛ إذ تتصدر المهرجانات، والبرامج الإعلامية، والجوائز الأدبية الكبرى. غير أن القضية لا تتوقف عند حدود التواجد الفني لنمط شعري أصيل، بل تتعداه إلى حجم هذا الحضور القائم على استحضار الماضي بأدوات جمالية قديمة، مما يطرح تساؤلات عميقة حول كيفية بناء علاقتنا المعاصرة مع الشعر وتحديد مقومات هوية الذات العربية.
هندسة الدعم ورساميل الإحياء
تعيش القصيدة العمودية اليوم عهداً ذهبياً متجدداً بفضل “هندسة دعم” مؤسساتية متكاملة؛ حيث تُضخ ميزانيات ضخمة تتجاوز عشرات الملايين من الدولارات سنوياً لإقامة الملتقيات، وطباعة الدواوين التقليدية، ورصد جوائز كبرى تفوق المائة ألف دولار للمركز الأول.
ولم يقتصر هذا الدعم على المحافل الرسمية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي عبر:
* تطبيقات ذكية حكومية: تُعنى بضبط الأوزان والقوافي وتنبيه الشعراء الشباب لمواضع الخلل العروضي.
* ورش افتراضية وتدريبية: تُبسط علم العروض والبيان لأجيال الناشئة.
* إنتاجات ضخمة: برامج تلفزيونية ومهرجانات تسعى لصون الهوية القومية وحمايتها من تحولات الأدب المعاصر.
عزلة الحداثة ونضال القصيدة الجديدة
في المقابل، تعاني حركة التجديد الشعري — وبخاصة “قصيدة النثر” وبدرجة أقل “قصيدة التفعيلة” — من غياب شبه تام للدعم المؤسساتي والاعتراف الرسمي المنظم. ورغم أن الحداثة الشعرية تعبر بعمق عن حساسيات الإنسان المعاصر، إلا أنها تُدفع نحو الهامش لتعتمد على المبادرات الفردية وتضحيات الشعراء والدور الطلائعية.
إن ندرة الجوائز المخصصة للتجريب، وغياب التطبيقات الرقمية الداعمة للبناء البصري والتدوير الحداثي، يضعان الموهبة الجديدة في عزلة تواصلية، مما يجعل كتابة الشعر الحديث شبيهاً بسباحة طويلة ضد التيار للحفاظ على مشروعيتها وشرعيتها الجمالية.
التاريخ والسياق السوسيولوجي
إن حركة الإحياء المتكررة للقصيدة الخليلية ليست وليدة اللحظة؛ فمنذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر ومحاولات استعادة الشعر القديم تتوالى لانتشال الذائقة من الوهن الحضاري. ورغم تعاقب المدارس التجديدية — بدءاً من “الديوان” و”الرومنطقية” و”أبولو” و”أدب المهجر”، وصولاً إلى حركة “الشعر الحر” مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وشهادتها على خصوصية البيئة العراقية، ثم “قصيدة النثر” في السبعينات — إلا أن علاقة الوعي الجمعي بالشعر ظلت تحنّ سكونياً إلى النموذج العمودي بوصفه ملجأً للانكفاء ومقوماً رمزياً للهوية.
نحو ديمقراطية المشهد الشعري
لا تكمن المشكلة في مناصرة القصيدة العمودية لحفظ اللغة العربية والبناء الرمزي للهوية، فهذا دور سوسيولوجي طبيعي؛ إنما تكمن الأزمة في غياب ممارسة ديمقراطية تتسع لكافة التعبيرات الجمالية. إن حجب الضوء عن التجارب الحديثة المبدعة لمجرد خروجها عن أوزان الخليل يهدد بإيقاف الزمن الشعري وإغلاق منافذ الدهشة.
فالشعر في جوهره حالة انفتاح وانقلاب متواصل لا يحده شكل محدد، والرابح الأكبر من تساند الأشكال وتطاحنها هو النص الأدبي نفسه؛ فالشعر لا يضره إحياء القديم، لكنه يزهر حقاً عندما ننصت لقلبه الحي الذي يتجدد مع كل دورة حياة.