«عروس قونيا»: مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون لمحاكمة الأسطورة ونصرة الهامش
تخوض الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها الصادرة عن «دار الفارابي» ببيروت بعنوان «عروس قونيا – محاكمة شمس التبريزي» رحلة عابرة للزمن؛ إذ تتحرك بين عصرين تفصل بينهما ثمانية قرون: عالم بطلة بيروتية معاصرة تعمل في مونتاج الأفلام الوثائقية وتعاني أزمة نفسية، وعالم «كيميا خاتون»، الطفلة التي عاشت في قونيا خلال القرن الثالث عشر وثُبّتت سيرتها في المنطقة الغامضة من العلاقة الصوفية الشهيرة بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.
ولا تتعامل الرواية مع الزمن كخط فاصل، بل تكسر الحدود بين الذاكرة والتخييل، والتقمص النفسي والاستدعاء الميتافيزيقي، لتعيد منح الصوت لامرأة غيّبها السرد التاريخي السائد.
«المونتاج السردي» وتقاطع أزمات الحاضر والماضي
تتخذ الكاتبة من مهنة البطلة المعاصرة في “مونتاج الأفلام” مفتاحاً بنيرياً لبناء الرواية؛ حيث يتفعل «المونتاج السردي» بين زمنين ومكانين وذاكرتين:
* تداخل الذاكرتين: تستعيد البطلة المعاصرة حياة «كيميا» وكأنها عاشت آلامها السابقة، مما يفتح حواراً صوفياً وميتافيزيقياً مع جدها حول الذاكرة الجمعية والأكوان المتوازية.
* جراح الطفولة: يلتقي العالمان في تجربة الألم الإنساني والإحساس بالتخلي، حيث تواجه كلتا البطلتين نتائج قرارات قاسية اتخذها الكبار.
* توازي الزلازل: تتجاور ومضات السرد بين زلزال قونيا التاريخي وتوابع زلزال بيروت المعاصر، ليكشفا عن استمرار العقل الجمعي في إنتاج التفسيرات الغيبية نفسها (كاللعنة والعقاب) عبر العصور.
إعادة بناء «قونيا» ومساءلة المرجع التاريخي
تمنح الرواية القرن الثالث عشر كثافة حسيّة ملموسة؛ فيدخل القارئ بيوت قونيا وأفنيتها ومدارسها، ويرى تفاصيل بيت الرومي ونافورته وشجرة الدلب. واستندت الكاتبة إلى المراجع التاريخية القديمة — وفي مقدمتها «مناقب العارفين» لأحمد الأفلاكي — لكنها لم تتعاطَ معها كحقائق مطلقة.
لقد استغلت دندشلي الفراغات والتناقضات التاريخية المحيطة بمصير «كيميا» ليعيد الخيال الروائي بناء الحكاية من منظور الطفولة المظلومة التي ظلت على الهامش، مراجعةً اللغة الباطنية والشهود الروحي عندما يتحولان إلى مبرر لقرارات إنسانية جائرة.
محاكمة الأسطورة والصدمة السردية
تتبنى الرواية موقفاً نقدياً من السطوع المعاصر لشمس التبريزي والتعاطي الانبهاري مع جلال الدين الرومي، دون إنكار قيمتهما الشعرية والروحية، بل عبر تسليط الضوء على الثمن الإنساني المسكوت عنه:
* زواج القاصرة: تسائل الرواية قرار تزويج الطفلة اليتيمة (13 عاماً) من الشيخ المتقدم في السن (شمس) لضمان بقائه في قونيا وإسكات الشائعات حول علاقته بالرومي.
* المفارقة المركزية: تجريد الأسطورة التي قدّمت الرجلين كرمزين للعشق المتعالي، بكشف أنها أُقيمت على استخدام طفلة كأداة لحماية ذلك العشق.
وتتوازى هذه المحاكمة التاريخية مع محاكمة البطلة المعاصرة لأزماتها وهشاشتها النفسية، لتصل الرواية إلى مفاجأة سردية ختامية تكثف الأسئلة حول المسافة الملتبسة بين الزمن النفسي والتاريخي، والحد الفاصل بين الذاكرة والتخييل.
