لأول مرة في أنسجة بشرية حية.. العلماء يكشفون أسرار التحفيز الكهربائي والدماغ على المستويين الجيني والجزيئي
في تجربة غير مسبوقة، تمكن علماء من مراقبة ما يحدث داخل أنسجة دماغ بشرية حية عند تعريضها لتحفيز كهربائي مشابه لذلك المستخدم في تقنية التحفيز العميق للدماغ؛ ليكشفوا عن تغيرات في طريقة تواصل الخلايا العصبية ونشاط جينات مرتبطة بوظائف الدماغ.
أنسجة أدمغة بشرية
واللافت، أن الأنسجة المستخدمة في الدراسة لم تكن أنسجة مختبرية أو مستخلصة من حيوانات، بل عينات حقيقية من أدمغة بشرية تبرع بها مرضى خضعوا لجراحات في الدماغ، وتمكن الباحثون من إبقائها حية في المختبر لأيام عدة. وقد أتاحت هذه الخطوة فرصة نادرة لرؤية استجابة الخلايا البشرية للتحفيز الكهربائي على المستويين الجيني والجزيئي.
ونُشرت الدراسة في دورية Nature في 5 أغسطس (آب) 2026. وأجراها باحثون من نظام الرعاية الصحية العامة التابع لجامعة كاليفورنيا UCLA Health، ومركز جامعة تكساس ساوث ويسترن الطبي في الولايات المتحدة؛ في محاولة لفهم الكيفية التي يمكن بها للتحفيز الكهربائي أن يغيّر نشاط الدماغ، وربما يعزز الذاكرة أو يساعد في الحد من التدهور المعرفي.
عندما يصبح الدماغ أكثر تزامناً
يعتمد التحفيز العميق للدماغ على إرسال نبضات كهربائية إلى مناطق محددة من الدماغ بواسطة أقطاب مزروعة. وقد أثبت فاعليته في علاج بعض الاضطرابات العصبية والنفسية من بينها مرض باركنسون واضطراب الوسواس القهري.
لكن العلماء لا يزالون يجهلون بصورة كاملة ما يحدث للخلايا البشرية عندما تتعرض لهذه النبضات، خصوصاً على مستوى الجينات.
وفي الدراسة الجديدة طبّق الباحثون أنماطاً من التحفيز الكهربائي تحاكي تلك المستخدمة في التحفيز العميق للدماغ على أنسجة بشرية حية في المختبر.
*الخلايا العصبية تتواصل بدرجة أكبر من التزامن بعد التحفيز*
وأظهرت النتائج أن الخلايا العصبية بدأت تتواصل بدرجة أكبر من التزامن بعد التحفيز وهو نمط من النشاط يُعتقد أنه يرتبط بقدرة الدماغ على تكوين الذكريات ومعالجة المعلومات. لكن التغير لم يقتصر على الخلايا العصبية وحدها.
الجينات تستجيب أيضاً
واستخدم الباحثون تقنيات متقدمة لتحليل النشاط الجيني داخل الخلايا بصورة منفردة بعدما فصلوا أنوية أنواع مختلفة من خلايا الدماغ. وبذلك تمكنوا من تحديد الجينات التي تغير نشاطها في كل نوع من الخلايا استجابة للتحفيز الكهربائي.
وكشفت النتائج عن أن الخلايا العصبية لم تكن الوحيدة التي استجابت، فقد أظهرت الخلايا النجمية Astrocytes، وهي من الخلايا الداعمة المهمة في الدماغ استجابةً لبرامج جينية خاصة بها عند تعرضها للتحفيز.
* خلايا الدماغ تندفع لتشغيل برامج جينية محددة*
وتشير هذه النتيجة إلى أن تأثير التحفيز الكهربائي قد يكون أوسع وأكثر تعقيداً مما كان يُعتقد؛ إذ لا يعمل فقط من خلال تغيير الإشارات الكهربائية بين الخلايا العصبية وإنما قد يدفع أنواعاً مختلفة من خلايا الدماغ إلى تشغيل برامج جينية محددة.
والأكثر أهمية أن الباحثين وجدوا أن أنماطاً مشابهة ظهرت في أنسجة مأخوذة من أشخاص سبق أن خضعوا للتحفيز الدماغي قبل إزالة النسيج؛ ما يشير إلى أن التغيرات التي شوهدت في المختبر قد تعكس بالفعل ما يحدث داخل الدماغ البشري.
خطوة نحو علاج أكثر دقة
ويرى الباحثون أن تحديد أي الجينات تنشط وفي أي خلايا استجابة للتحفيز قد يساعد مستقبلاً في تصميم علاجات أكثر دقة بدل تطبيق التحفيز الكهربائي بطريقة عامة.
وقد يفتح ذلك الباب أمام الجمع بين التحفيز الكهربائي والعلاجات الدوائية التي تستهدف الجينات أو المسارات البيولوجية التي تتأثر بالتحفيز بما قد يعزز قدرة الدماغ على التكيف ويحافظ على الوظائف المعرفية.
وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة جينيفيف كونوبكا، رئيسة قسم البيولوجيا العصبية في قسم علم الأعصاب مركز جامعة تكساس ساوث ويسترن الطبي في دالاس، إن تحديد الجينات والخلايا المسؤولة عن مرونة الدماغ يمكن أن يوفر أهدافاً جديدة لعلاجات مستقبلية، وربما يساعد على تطوير استراتيجيات تهدف إلى إبطاء التدهور المعرفي.
أسئلة لا تزال مفتوحة
ورغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن الطريق إلى توظيف هذه النتائج علاجياً لا يزال طويلاً. فالدراسة ركزت على أنسجة من القشرة الصدغية temporal cortex، وهي منطقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالذاكرة والعمليات المعرفية، في حين لا تزال التأثيرات الجزيئية للتحفيز طويل الأمد في حاجة إلى مزيد من الدراسة.
كما يحتاج العلماء إلى فهم كيفية تأثير الخلايا التي تعرضت للتحفيز في الخلايا المجاورة وما إذا كانت الاستجابة نفسها تحدث في مناطق أعمق من الدماغ يصعب الحصول على أنسجة بشرية حية منها.
ومع ذلك، تقدم الدراسة فرضة نادرة في علم الأعصاب لرؤية الدماغ البشري الحي، وهو يستجيب للتحفيز الكهربائي على مستوى الخلية والجين؛ وهو ما قد يساعد العلماء في الانتقال مستقبلاً من مجرد تحفيز الدماغ إلى فهم كيفية توجيه هذا التحفيز بدقة لخدمة الذاكرة والوظائف المعرفية.
