عزل بالنار ودوريات مسيّرة: كيف تُحاصر إسرائيل قرى جنوب لبنان دون دخولها؟
تتزايد المخاطر التي تواجه حركة تنقل السكان بين القرى الحدودية في جنوب لبنان، مع اعتماد الجيش الإسرائيلي تكتيك “السيطرة بالنار” عبر استهداف مداخل البلدات والطرق المحيطة بها، مما أسفر عن عزل فعلي لعدة قرى دون الحاجة لتمركز عسكري داخلها أو إغلاق منافذها رسمياً.
وتتجاوز التداعيات الميدانية لهذا التكتيك مجرد تقييد الحركة، لتطال قدرة الأهالي على الوصول إلى حقولهم الزراعية والمراكز الطبية؛ وهو الملف البارز الذي كان محور بحث بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
تكتيك السيطرة النارية والمراقبة الجوية
يوضح الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر أن إسرائيل استوعبت دروس التجارب العسكرية السابقة، واعتمدت استراتيجية جديدة تقوم على عدم احتلال القرى الواقعة خارج “الخط الأصفر”، بل التمركز في مواقع استراتيجية مشرفة تُمكنها من التحكم بالنطاق الجغرافي المحيط عن بُعد.
ويرتكز هذا التكتيك على عناصر أساسية:
* استهداف شبكات الطرق: القصف المدفعي والتمشيط بالرصاص الحي على المحاور الرئيسية والفرعية التي تربط القرى ببعضها.
* المراقبة الجوية المكثفة: تسيير طائرات مسيّرة لمراقبة حركة المرور واستهداف المركبات المشتبه بها، لا سيما الدراجات النارية وسيارات النقل (الفان).
* تعطيل المحاور الحيوية: تحول طرق رئيسية إلى مناطق معزولة وخالية تماماً من الحركة، مثل طريق (النبطية – مرجعيون) من جهة الخردلي، والطرق المحيطة بالنبطية الفوقا، وكفر تبنيت، وأطراف كفر رمان.
استهداف المزارعين ومنع عودة النازحين
ولم تتوقف التأثيرات عند الحركة المرورية، بل امتدت لمنع النشاط الاقتصادي والزراعي؛ حيث مُنع سكان بلدة “كفر شوبا” مؤخراً من الوصول إلى أراضيهم، بالتزامن مع قصف أطراف حاريص، وبرعشيت، والمنصوري. كما دعت بلدية “دير ميماس” السلطات اللبنانية لتأمين الوصول لقطاف الزيتون وتوفير الخدمات الأساسية.
ويرى خبراء عسكريون أن هذا القصف المدفعي المتقطع يحمل أهدافاً أمنية وسياسية، أبرزها:
* إبقاء القرى الجنوبية تحت الضغط المستمر.
* ردع النازحين والأهالي عن العودة إلى منازلهم واستعادة حياتهم الطبيعية.
* منع نشوء أي نشاط ترتاب منه القوات الإسرائيلية بالقرب من مواقعها.
واقع ميداني محفوف بالمخاطر
من جهته، حذر العميد المتقاعد سعيد قزح من أن القرى الحدودية والمناطق المقابلة لشريط المواجهة ستظل غير آمنة تماماً في ظل غموض التحركات العسكرية والعمليات الجارية، مشيراً إلى أن وجود قوات احتلال يجعل أي تحرك مدني عرضة للأضرار الجانبية والاستهداف المباشر أو غير المباشر.
وتعيد هذه التطورات الأذهان إلى تجارب سابقة شهدت إغلاق طرق استراتيجية كطريق (مرجعيون – حاصبيا) وطريق (مرجعيون – دبين – إبل السقي) جراء القصف والسواتر الترابية والذخائر غير المنفجرة، مما يكرس حالة من العزلة القسرية على امتداد الشريط الحدودي.
