«خطاب المصالحة في سوريا»: رؤية بحثية لإعادة بناء الإعلام والمجال العام ما بعد النزاع
يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف؛ الضوء على أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المجتمعات الخارجة من النزاعات: كيف يمكن للإعلام أن يتحول من أداة لتأجيج الصراع وإعادة إنتاج السلطة، إلى فاعل مؤسسي يشارك في ترسيخ المصالحة الوطنية؟
ويمثل الكتاب، الصادر عن «مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر»، محاولة لبناء إطار نظري وتطبيقي لعمل الإعلام في مرحلة ما بعد النزاع. ينطلق العمل من فرضية أن إعادة الإعمار لا تكتمل من دون إعادة تأسيس المجال العام، بوصفه الحيز الذي يُعاد فيه تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتتشكل بداخلة الذاكرة الجمعية ويتعزز التماسك الاجتماعي.
«الاستجابة الإعلامية» وصناعة المعنى
يطرح المؤلف مفهوم «الاستجابة الإعلامية» مدخلاً لتطوير سياسات إعلامية تنبع من خصوصية البيئة السورية الشائكة، بدلاً من المقاربات القائمة على استنساخ التجارب الدولية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي عبر حزمة من التدخلات المستندة إلى نظريات التغيير، لجعله إحدى روافع التعافي الوطني بعد أن انحصر دوره لأزيد من خمسة عقود في إنتاج الرواية الرسمية.
ومن أبرز الإضافات النظرية التي يقدمها الكتاب:
* إعادة تعريف «صناعة المعنى»: باعتبارها عملية لإنتاج أطر إدراكية مشتركة تنبثق من خصوصية السياق المحلي.
* السياسات التحريرية الجديدة: الدعوة إلى اعتماد الحقيقة، وتمثيل الضحايا، وإتاحة المعرفة العامة، والهوية الجامعة، وبناء السلام المستدام ركائز أساسية للعمل الإعلامي.
تطبيق نظريات التغيير والتحليل السوسيولوجي
يوظف الكتاب نظريات التغيير كأداة لتصميم التدخلات الإعلامية، مقترحاً الانتقال من التعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة لغوية إلى اعتباره عملية اجتماعية قابلة للتخطيط والتقويم وقياس الأثر في اتجاهات الجمهور وسلوكه.
ويستند Author إلى مرجعيات أكاديمية متخصصة، منها:
* أطروحات الباحثة ركا شومي (Raka Shome): بضرورة «إضفاء الطابع الجيوسياسي على الدراسات الإعلامية»، لفهم العلاقة بين النظم الإعلامية وبيئاتها السياسية والاجتماعية قبل توطين النظريات.
* المنظور السوسيولوجي لأنتوني غيدنز (Anthony Giddens): الذي ينظر إلى الفعل بوصفه تدخلاً مقصوداً في مسار الوقائع، مما يجعل التدخلات الإعلامية أفعالاً اجتماعية قابلة للتصميم والقياس وليس مجرد استجابات مهنية عابرة.
هيكلية الكتاب والمؤلف
يقع الكتاب في 288 صفحة موزعة على خمسة فصول، تتدرج من تفكيك الخطاب الإعلامي للنظام السوري السابق وتحليل بنيته الدعائية، إلى بناء نموذج لصناعة المعنى، ثم مقاربة الإعلام ضمن بيئته السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى توظيف نظريات التغيير لتصميم مبادرة إعلامية تلائم البيئة السورية.
يُذكر أن مرشد النايف صحافي وباحث إعلامي سوري شغل مناصب تحريرية ومهنية عدة، أبرزها مدير تحرير صحيفة «جيرون» والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين، وتتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب وإعلام ما بعد النزاع.
