صيد الغزلان في قصر الحير الغربي: وثيقة أموية تخلد طقوس القنص والتأثر بالفن الساساني
زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الفترة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الدولة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها أشار إليها الرواة. وأسوة بالغساسنة، شيد الخلفاء والنساء والأمراء الأمويون القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والصيد، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس وحللها التزيينية.
تحوي هذه الآثار صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد، أشهرها لوحات جدارية في قصير عمرة بغور الأردن، إضافة إلى لوحة أرضية كبيرة تصوّر فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي جنوب غرب تدمر في البادية السورية.
اكتشاف اللوحة ووصفها المعماري:
* تاريخ الاكتشاف والمقر: عُثر على اللوحة خريف عام 1936، ونُقلت في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني في جناح مخصص للقصر.
* المقاسات والتقنية: أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف بمساحة شبه مربّعة (طولها 5 أمتار وعرضها 4.85 متر).
* الإطار والتقسيم: يحيط بها إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني بقوام من المعينات والأزهار المحوّرة كأنجم. وتجمع اللوحة بين عملين مستطيلين يفصل بينهما شريطان أحمران بينهما شريط أسود؛ تحوي اللوحة العليا عازف عود وعازف مزمار، وتحوي اللوحة السفلى مشهد الفارس والصيد.
تفاصيل مشهد الفارس والصيد:
* وضعية الفارس والجواد: يظهر الفارس بوضعية جانبية ممتطياً جواداً أسود يرفع قائمتاه الأماميتان وتمتد الخلفيتان، وعليه سرج أبيض ولجام.
* ملامح الفارس وهيبته: يظهر الفارس أمرد بوجه دائري وعينين لوزيتين شاخصتين وشعر أسود كثيف يعلوه إكليل يزينه شريط معقود تتطاير أطرافه. يرفع بيده اليمنى سهماً أحمر وباليسرى قوس نشاب موشح بالأخضر الفاتح.
* اللباس والعتاد: يرتدي ثوباً طويلاً فوقه حزام معقود ووشاح أخضر يتطاير، مع سروال فضفاض ملون بالأحمر الأرجواني والأخضر اللازوردي، ويتقلد نجاداً مستطيل عريض.
* الطريدة: يصوّب الصياد سهمه نحو غزال يركض أمامه مديراً رأسه للخلف، بينما يتهاوى غزال آخر صريعاً في أسفل اللوحة.
الطراز الفني والموروث الأدبي:
* الأثر الساساني: تتبع اللوحة الطراز الساساني في لباس الفارس والأسلوب الفني والألوان، وهو طراز عُرف في بادية الشام كما في آثار دورا أوروبوس (الصالحية). كما أظهر رسم توثيقي لوحة ثالثة مهشمة ضاع أثرها تضم كلباً سلوقياً يقفز وخادماً يجر أيلاً.
* التطور التاريخي للصيد: يعكس هذا الأثر ما ذكره جرجي زيدان في «تاريخ التمدّن الإسلامي» عن انتقال الصيد لدى العرب من ممارسة بسيطة بالنبل والفخ في الجاهلية إلى تنظيم متقدم بعد مخالطة الفرس والروم عبر اقتناء الجوارح والكلاب السلوقية والفهود.
* الشواهد الشعرية: تُجسد اللوحة تحول الصيد إلى «لذة» كما وصفه امرؤ القيس («كأني لم أركب جواداً للذة…»)، وحضور الكلاب السلوقية الماهرة في القنص كما قال الشاعر القطامي («ومعهم ضوار من سلوق كأنها…»).
