رمضان والعيد في القرية: حين كانت القلوب أوسع من البيوت

FB_IMG_1789341103436

بقلم: ابن القرية / محمد حمود
التاريخ: 13 سبتمبر 2026

كان لرمضان في القرية طعمٌ لا يشبه أي رمضان آخر؛ لم يكن الشهر الكريم يأتي كضيفٍ عابر، بل يدخل القلوب قبل البيوت، وتبدأ ملامحه بالظهور على الناس قبل أن يظهر الهلال. كانت القرية تتغير مع قدومه، تخلع ثوب أيامها المعتادة لترتدي السكينة والمودة والرحمة.
قبل أذان المغرب، كانت الحياة تدب في كل بيت. تتصاعد روائح الطعام من المطابخ، ويتحرك الأطفال بالأطباق بين البيوت، حيث يرسل الجار لجارِهِ مما طبخ ويرد الآخر بمثله، حتى باتت مائدة الإفطار لا تعرف مصدر طعامها؛ المهم أنه جاء من قلبٍ إلى قلب. لم تكن الموائد عامرة بما نراه اليوم، لكنها كانت عامرة بالرضا الذي يجعل القليل كثيرًا. تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، الكبير إلى جوار الصغير، وما إن يرتفع صوت المؤذن حتى تبدأ الأيدي بالدعاء قبل أن تمتد إلى الطعام.
بعد الإفطار، تبدأ رحلة أخرى؛ تُرتّب البيوت وتمتلئ الطرقات بالرجال والشباب والأطفال في طريقهم إلى المسجد. كانت صلاة التراويح موعدًا لا يتخلف عنه أحد إلا لعذر، والمسجد يمتلئ حتى يبدو وكأن القرية كلها اجتمعت في مكان واحد. أما نحن الصغار، فكنا نذهب لنكون جزءًا من ذلك المشهد، شعرنا أن رمضان لا يكتمل إلا بنا.
وبعد الصلاة تبدأ المجالس؛ شاي وقهوة، وأحاديث تمتد، وضحكات صادقة، وحكايات قديمة يرويها الكبار فنصغي إليها ويبقى أثرها فينا. تعلمنا منهم كيف يُحترم الكبير، ويُكرم الضيف، ويُسأل عن الغائب، وتُقضى حاجة الجار قبل أن ينطق بها. علّمنا رمضان أن الإنسان يُقاس بما يعطي؛ فكم من بيتٍ بسيط فتح بابه للناس، وكم من أسرةقسمت طعامها مع غيرها، وكم من محتاج وجد من يطرق بابه قبل أن يسأل. لم يكن التكافل عندهم حملة موسمية، بل طبعًا من طباع الحياة.
ثم تمضي أيام رمضان سريعًا، حتى تأتي الليلة التي تبدأ فيها تكبيرات العيد بالارتفاع. كانت ليلة العيد مختلفة، والأطفال أكثر من يعرف ذلك؛ ننام بصعوبة، ونراجع ملابسنا المعلقة بين حين وآخر شوقًا للصباح. ومع أول خيط من الفجر، تُفتح الأبواب وتُلبس الملابس الجديدة، وتتجه الخطوات إلى المصلى. هناك تتساوى الوجوه في صفوف الصلاة: الكبير بجوار الشاب، والفقير بجوار الغني، وتُحلق التكبيرات في السماء.
بعد الصلاة يبدأ العيد الحقيقي؛ يتصافح الناس، يتعانقون، وتبدأ الزيارات دون موعد مسبق. البيوت مفتوحة، والوجوه مستعدة للابتسامة. أما نحن الأطفال، فكنّا نعود وجيوبنا أثقل بالعيديات والحلوى، وقلوبنا أثقل بالفرح. لم تكن الزيارات مجرد عادة اجتماعية، بل فرصة لصلة الرحم وإصلاح القلوب؛ كم من خصومة انتهت في صباح عيد أمام مصافحة صادقة وكلمة طيبة.
اليوم تغيرت أشياء كثيرة؛ أصبحت رسائل التهنئة تصل في ثوانٍ، لكننا نشتاق للزيارات الواقعية والأبواب المفتوحة دون موعد. لسنا ضد هذا الزمن، ولكل زمان جماله، لكننا نخاف أن تصبح صلة الرحم مجرد رسالة قصيرة، أو زيارة المريض اتصالًا.
علمنا رمضان أن الرحمة قوة وأن أجمل العطاء ما خرج من قلب يحب الخير، وعلمنا العيد أن التسامح أجمل هدية. لم تكن تلك الأيام أجمل لأن الحياة كانت أسهل، بل لأنها كانت أقرب إلى الفطرة؛ كان الناس يجدون سعادتهم في بعضهم قبل الأشياء. فالأعياد لا تصنعها الملابس الجديدة ولا الموائد العامرة، بل تصنعها القلوب التي تعرف كيف تحب وتسامح وتفرح للآخرين.