بين دجلة والنيل والأولمب: كيف صاغت الأساطير القديمة مفهوم الحب والخصب؟

1789205.jpeg

يستند الحب في بعض وجوهه إلى الواقع الملموس، لكنه سرعان ما يغادره ليقيم في عالم التخيل والتهيؤات؛ حيث تظل «أسطرة» الآخر الممر الإلزامي للتيم به. وكما يعد الجسد العاشق طفولياً وفق مفهوم رولان بارت، فقد مثلت الأساطير سبيل الشعوب القديمة لتأطير النوازع الإنسانية والظواهر الكونية. ويكفي تأمل الإرث الميثولوجي لنكتشف كيف رفد الحب الأساطير بنماذجها الأولى، والعكس بالعكس.
ورغم غياب الحدود الفاصلة بين الحب الروحي والعشق الملفوح بالرغبة الجسدية، تكشف الميثولوجيات القديمة عن تباين بين حضارات طابقت كلياً بين الحب والشغف الشهواني، وأخرى أفسحت مجالاً واسعاً لانخطافات الروح وزفرات القلب.
خصب الرافدين ونسخة أدونيس الفينيقية
في بلاد سومر، كان آلهة الخلق الأربعة (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) معادلاً ميثولوجياً للعناصر الأربعة: الهواء والماء والنار والتراب. وتطلبت خدمة الآلهة إنشاء المعابد والطقوس، وصولاً إلى أعياد القمر الجديد والزواج المقدس، حيث يتزوج ملك سومر من «إنانا» إلهة الخصب والتناسل أو كاهنتها.
وفي الشرق الفينيقي والكنعاني، جاءت أسطورة أدونيس وعشتروت كنسخة معدلة عن ميثولوجيا الرافدين؛ حيث هامت عشتروت بالصياد الوسيم أدونيس، وحذرته من الغابات، لكن شغفه بالمغامرة أدى لمقتله على يد خنزير بري عند نهر إبراهيم. وهبطت عشتروت للعالم السفلي استعطافاً للآلهة، لتنتهي الأزمة بحل جزئي: يعود أدونيس للحياة في الربيع والصيف مع قيامة الزرع، ويعود لعالم الأموات في الخريف والشتاء.
تجليات أفروديت وفينوس عند اليونان والرومان
انتقلت الأسطورة إلى اليونان؛ حيث أحبت أفروديت الشاب أدونيس وأخفته في صندوق لدى «برسيفوني» إلهة العالم السفلي. وعندما رفضت الأخيرة إعادته لجماله، حسم «زيوس» النزاع بتمضية أدونيس ستة أشهر فوق الأرض مع أفروديت وستة تحتها مع برسيفوني.
أما الرومان، فربطوا بين الحب والجمال عبر فينوس وابنها كيوبيد (الطفل المجنح ذي السهام). وحين نافست البشرية «سايكي» جمال فينوس، أرسلت الأخيرة ابنها لمعاقبتها، لكن كيوبيد جرح نفسه بسهمه عن طريق الخطأ ووقع في غرامها، ليتدخل «جوبيتير» منحاً سايكي الخلود ومباركاً زواجهما.
صراع الموت والانبعاث: إيزيس وأوزيريس
اتسعت دائرة المماهاة بين الحب والخصب والموت والانبعاث في الألفيتين الثالثة والثانية قبل الميلاد لتطول الحضارة الفرعونية. فنتيجة لغيرة الإله «ست» من قصة الحب بين إيزيس وأوزيريس، قام بقتل أخيه أوزيريس وتقطيع جسده ورspaceميه في النيل.
ورغم تكرار قتله وتقطيعه إلى 42 قطعة، جمعت إيزيس الوفية أجزاء زوجها وأعادت إليه الحياة بسحرها، ثم استنجدت بالإله «رع» الذي خصبها بالنفخ الإلهي، لتلد «حورس» الذي انتقم لأبيه. وتتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس مع مراثي إنانا لديموزي وعشتار لتموز في حزنها الجارف وتوقها لقيامة الحبيب.
أورفيوس ويوريديس: انخطاف الروح واختبار الطاعة
تعد أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية من النصوص القليلة التي لم تطابق تماماً بين الحب والفعل الجنسي، بل وضعته في إطار سامٍ من حمى المشاعر.
عقب وفاة يوريديس بلدغة أفعى، نزل أورفيوس إلى العالم السفلي مستعيناً بعزفه الساحر لإقناع «هاديس» إله الموتى بإعادتها. اشترط هاديس ألا يلتفت أورفيوس للوراء أثناء مسيرهما، لكن الشوق والحنين غلبا الزوج العاشق، فالتفت ليتفقد حبيبة قلبه، لتختفي يوريديس للأبد.
تؤكد هذه السردية الحزينة أن صراع الحب والموت لا ينتهي دائماً لصالح الحب، كما تبرز القسوة المترتبة على عصيان مشيئة الآلهة، مؤكدة أنه لا يمكن للبشر خرق قوانین الطبيعة وقطع الحاجز بين الحياة والموت، حتى لو تسلحوا بالفن والعشق.