أباطرة وفرسان في بلاط هشام: تماثيل المحاربين بخربة المفجر ودلالاتها الفنية

1764031.jpeg

​تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».
​لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني؛ إذ تحاكي من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي والصياغة المتبعة في النقش والنحت.
​تحليل التماثيل والتأثيرات الحضارية
​التمثال الأول (الطراز الكلاسيكي الروماني): قامة منتصبة فقدت رأسها، تشهر سيفاً وتدرأ بترس دائري مزين بنقوش لولبية وسلسلة دوائر وقبة ناتئة. يرتدي الجندي سترة مدرعة تحاكي “لبوس الحديد” مع حزام معقود ومنصات كتف تقليدية. يعكس هذا المنحوت الأسلوب الروماني الشائع قديماً في تدمر والبتراء، والذي تتردد أصداؤه في الشعر العربي القديم كقول عمرو بن معديكرب: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً».
​التمثال الثاني (الطراز الساساني): يتكون من كتلتين للصدر والساقين، ويرتدي عباءة مدرعة بتعزيزات قشرية (“قميص من حديد”) تمتد للركبتين فوق سروال فضفاض مزين بمربعات معينة، يعلوه طوق مضفور وحزام حول الخصر، وهو ما يجسد التأثيرات الفارسية الساسانية.
​التمثال الثالث (الأسلوب الأموي المحلي): تمثال نصفي لجندي يعتمر خوذة عريضة مقبّبة، ذو وجه دائري مكتنز، بشاربين مقوسين ولحية قصيرة وعينين لوزيتين. يعكس هذا التمثال النسق الفني المحلي الخاص بميدان النحت الأموي.
​تؤلّف هذه القطع المنحوتة صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها نماذج مشابهة في جداريات قصير عمرة في الأردن، وألواح الجص المنحوت بقصر الحير الشرقي في البادية السورية. كما تشكل هذه المكتشفات بخربة المفجر وقصر الحير الغربي دليلاً حياً على استمرارية فن النحت وازدهاره في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي بعد تراجعه في العصر البيزنطي