اكتمال معزوفة العودة إلى الذات: صدور فصل الخِتام من رواية «ابن القرية» للكاتب د. محمد حمود

FB_IMG_1789899864366

الفصل الثاني عشر والأخير
حين جلس ابن القرية يتأمل حياته
لم أكن أعرف، وأنا أركض في طرقات القرية حافيَ القدمين، أن تلك الطرق الصغيرة كانت تقودني إلى حياةٍ كاملة.
كنت أظن أن الأيام تمضي بنا، حتى اكتشفت بعد سنوات أن بعض الأيام لا تمضي…
بل تسكن فينا.
جلست ذات مساء، بعيدًا عن القرية، وأغمضت عيني…
فعادت القرية كلها دفعةً واحدة.
عاد البيت، وصوت أمي، ونداءات أبي، وضحكات الرفاق، وغبار الطريق إلى المدرسة، ورائحة الحطب، وليالي رمضان، وفرحة العيد…
عاد كل شيء.
وعاد إليَّ ذلك الطفل الذي كنت أظنه قد كبر وانتهى.
فإذا به ما زال هناك…
يسكنني.
أدركت حينها أنني لم أترك القرية يوم غادرتها، وأن المسافة مهما طالت بيني وبينها، لم تستطع أن تأخذها مني.
فقد أخذت القرية مكانها في قلبي منذ زمن، وأخذت معها أشياء كثيرة لا تُرى، لكنها صنعتني كما أنا اليوم.
أخذت منها طيبة الناس، ودفء الجيرة، ووقفة الأخ مع أخيه، وفرحة الجماعة، ورحمة الكبير بالصغير، ويدًا تمتد للمحتاج دون أن تسأله كثيرًا.
أخذت منها أشياء ظننتها يومًا عادية…
ثم اكتشفت أنها كانت ثروتي الحقيقية.
ومع كل ما في القرية من أشياء نتمنى لو تغيرت، بقيت هناك قيم لا ينبغي أن نتخلى عنها.
كبرنا، وتفرقت بنا الأرزاق، وخرج بعضنا إلى المدن، ورحل آخرون إلى بلاد بعيدة…
لكنني كنت أتمنى دائمًا ألا نترك خلفنا أجمل ما تربينا عليه.
أن نكون رحمًا لبعضنا حيثما كنا.
أن نعين الفقير، ونربت على كتف اليتيم، ونسأل عن المريض، ونقف مع المكسور، ونشارك الناس أفراحهم وأحزانهم.
أن نكف أذانا عن بعضنا، وأن نترك خلفنا كل ضغينة قديمة، وكل حقد صغير، وكل عادةٍ جعلت من أبناء المجتمع الواحد خصومًا.
فليس كل ما ورثناه عن القرية يستحق أن نحمله معنا…
نأخذ منها قيمها، ونترك عيوبها.
نحمل كرمها، وشهامتها، وتكافلها، ووفاءها…
ونترك كل ما كان يوجع أهلها ويفرق بينهم.
وكلما ابتعدنا أكثر، كان ينبغي أن نعرف أكثر قيمة أن يكون للإنسان أخٌ يعرفه، وقلبٌ يأويه، ووجهٌ يفرح لرؤيته.
فالغربة لا تحتاج إلى غرباء جدد…
بل تحتاج إلى أهل.
ولهذا، أينما أخذتنا الحياة، ومهما فرقتنا الطرق والأرزاق، أتمنى أن نبقى جسدًا واحدًا.
إذا احتاج أحدنا وجد أخاه.
وإذا فرح، وجد من يفرح له.
وإذا انكسر، وجد كتفًا يسنده.
لأننا في النهاية…
لسنا أبناء طرقٍ مختلفة.
نحن أبناء قريةٍ واحدة.
وأنا، كلما ضاقت بي الحياة، أعود إليها.
ليس بقدمي…
بل بذاكرتي.
أعود إلى الطريق الترابي، وإلى البيت القديم، وإلى أصواتٍ رحلت، ووجوهٍ ما زالت حاضرة في داخلي.

أعود إلى ذلك الطفل الذي كان يركض حافي القدمين، ولا يعرف أن الأيام التي يعيشها ببساطتها تلك، ستكون يومًا أغلى ما يتمنى لو عاد إليها.
وعندها أفهم…
أنني مهما كبرت، ومهما ابتعدت، ومهما أخذتني الحياة إلى أماكن لم أعرفها يومًا…
فإن شيئًا مني سيبقى هناك.
كبر ابن القرية…
لكن القرية لم تكبر بعيدًا عنه؛
كبرت معه، وسكنت في قلبه،
وظلت كلما ضاقت به الحياة
تفتح له بابًا صغيرًا
يعود منه إلى نفسه.

تمت.

بقلم ابن القرية
محمد حمود

2026/09/20