«بين صراع الحريات وسطوة الشاشة».. قراءة في جدل فرنسا حول حظر شبكات التواصل الاجتماعي عن القاصرين
لم تعد قضية استخدام المراهقين لشبكات التواصل الاجتماعي مجرد شأن تربوي أو عائلي، بل تحولت إلى ملف سياسي وقانوني وتقني مفتوح على احتمالات واسعة. وتصدرت فرنسا هذا المشهد الثقافي والاجتماعي عقب إقرار البرلمان الفرنسي قانوناً يمنع القاصرين دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى هذه الشبكات، قبل أن يصطدم التشريع بإلغاء المجلس الدستوري لمادته الأساسية، بداعي فرض قيود غير متناسبة مع حرية التعبير.
المخاطر النفسية والجدل العلمي
جاءت التحركات الفرنسية مدفوعة بتقرير مجلس الشيوخ ودراسات الوكالة الوطنية للأمن الصحي (أناس)، والتي حذرت من تداعيات الاستخدام المفرط:
* الأضرار النفسية والجسدية: القلق، الاكتئاب، اضطرابات النوم وصورة الجسد، والتنمر الإلكتروني.
* سطوة الخوارزميات: دور الإشعارات المتكررة وأنظمة التوصية في إبقاء المراهقين داخل المنصات لأطول فترة ممكنة.
* رأي الخبراء: يؤكد الباحثون أن الاستخدام ليس مضراً بجميع الفئات بالقدر نفسه، بل ترتبط الأضرار بطبيعة الاستخدام القهري والتعرض لمحتويات إيذاء النفس أو المقارنات الاجتماعية القاسية.
معضلة التحقق من العمر وحماية الخصوصية
يقف التطبيق التقني عائقاً أمام التشريعات؛ حيث تطرح آليات مثل «إثبات العمر» و«إخفاء الهوية المزدوج» مخاوف كبرى حول:
* انتهاك خصوصية البيانات واحتمال تسريبها.
* تحويل الإنترنت إلى فضاء للمراقبة الجماعية يطول جميع المستخدمين وليس القاصرين فحسب.
دروس التجربة الأسترالية
تعتبر التجربة الأسترالية (المطبقة منذ ديسمبر 2025م بحظر من هم دون السادسة عشرة) النموذج الأبرز عالمياً. وعلى الرغم من إعلان السلطات حذف ملايين الحسابات، إلا أن الدراسات كشفت استمرار نسبة كبيرة من المراهقين في استخدام المنصات عبر التحايل التقني وتزوير تاريخ الميلاد، مما أثبت أن الحظر الشامل دون توعية ومساندة أسرية ينتج امتثالاً شكلياً فقط.
تخبط الأسر وإنقسام الخبراء
يتوزع أولياء الأمور والخبراء بين طرفين:
* مؤيدون: يرى الآباء في التدخل الحكومي حماية واستعادة للسيطرة أمام شركات تستخدم أدوات جذب نفسية هائلة.
* معارضون ومحذرون: يخشى البعض أن يدفع الحظرُ المراهقين نحو المنصات السرية والأقل رقابة، أو حرمانهن من مجتمعات الدعم النفسي والمعرفة. ويرى خبراء أن التركيز يجب أن ينصب على خصائص المنصات المؤذية بدلاً من استهداف سن المستخدم.
من الحظر الشامل إلى التنظيم الدقيق
تتجه الحكومة الفرنسية نحو صياغة تشريع جديد أكثر تحديداً، يركز على حظر الخصائص الأكثر خطورة (كالإشعارات الليلية والإعلانات الموجهة والخوارزميات الضارة)، بالتوازي مع تعزيز التربية الرقمية ودعم الوالدين؛ لينتقل السؤال من «هل نمنع القاصرين؟» إلى «كيف نحميهم دون التفريط بحريات الإنترنت وخصوصيتها؟».
