قراءة جديدة للفضاء والتأويل في التراث العربي: عرض لكتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم»
يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بدراسة المنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجرية الأولى. يتقصى الكتاب استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلامية، وعلاقة ذلك بالفضاء بوصفه كياناً أولاً ومفهوماً مستقلاً.
وتتعدد المقاربات داخل العمل لتشمل:
* التشابك الحضاري: الربط بين الحضارة العربية-الإسلامية والحضارات القديمة في ممارسات كالحالومة والاستخارة والمبيت عند القبور.
* الأثر المادي: مساجلة الحضارة المادية لفهم تأثيرها في منامات السجناء وتأويلات العمارة.
* التأصيل الفلسفي: تجذير التجربة المنامية في نظريات الإبصار والفلسفة التي قدمها العلماء العرب القدامى، لوضع المنامات ضمن إطارها الأوسع في التراث الأدبي والفكري.
ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسية ترتكز على فهم الفضاءات المتصلة بالمنام (فضاء الرائي، وفضاء المنام، والفضاء المؤوَّل) ورصدها في السياقين السردي والتأويلي:
1. المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلامية المبكرة
يُعد تمهيداً استعراضياً لطبيعة المنامات ومدى تقاطعها مع الحضارات المجاورة، ويسرد نشأة علم التعبير وانتقاله من الشفهي إلى المكتوب. يستنبط القسم 11 منهجاً تعبيرياً من مقدمات الكتب الأولى، ويحصي العوامل المؤثرة في التأويل (أحوال الرائي والمعبر، زمان الرؤيا ومكانها، وأسلوب القص)، مع الإشارة إلى مسائل إشكالية كالإسناد، والمنامات المشتركة، والاحتجاج بها شرعياً.
2. استحضار المنام: عادة أم عبادة؟
يتناول ظاهرة “الحالومة” التاريخية وانتشارها لدى اليونان والهند والمصريين القدماء والعرب. ويوضح كيف خرجت الاستخارة النبوية من إطار الصلاة والدعاء إلى المبيت في أماكن مخصوصة لاستحضار الرؤى. ويكشف عبر أدب التنوخي عن رواسب الحالومة في زيارة قبور الأجواد ثم الصالحين، وحلول المحراب محل القبر لدى بعض المستخيرين.
3. في قميص يوسف
يدرس منامات السجناء وأثر السجن فيها من خلال كتاب «الفرج بعد الشدّة»، متناولاً 13 سجيبناً. ينطلق من منام ليعقوب بن داود (وزير المهدي) المحبوس في سجن “المطبق”، ويرصد التشابه بين قصته وقصة النبي يوسف، ممتداً إلى بقية السجناء لتأكيد أثر السجن الرمزي في المنامات، مع ربط التجربة المنامية بالشعر.
4. بين الرؤية والرؤيا
يقدم مقاربة شمولية لعلاقة المنام بالفضاء عبر الحفر في الأبعاد اللغوية بين “الرؤية” و”الرؤيا”، ودور الفضاء المظلم في إدراك الصور. ينطلق من تجربة ابن الهيثم في السجن واختباره الحجرة المظلمة ومفارقته للإرث اليوناني، ثم يفصل خصوصية تلقي المنامات في الثقافة الإسلامية عبر ثلاثة محاور:
* نظريّة “عين القلب” عند الغزالي.
* العلاقة بين المنام والعمى واللغة.
* تقاطع المنامات مع الصور وانعكاس الهوية الدينية والاجتماعية للمعبّرين المسلمين.
5. الدنيا منام، والمنام رحلة
يحلل المنام بصفته تجسيداً رمزيّاً للارتحال؛ حيث يُثبت من خلال أدب التنوخي أن المنام يحقق أهداف الرحلة الواقعية (زيارة الموتى، طلب الحديث، التكسب، الاستشفاء، وتشريع السلطة). كما يعالج ثيمتي “المعراج” والمنامات الملهِمة للشعر، مؤكداً أن تجربة المنام توازي تجربة الحياة الدنيا التي يعوّل فيها المؤمن على ما حققه خلال عبوره.
تستقطب أقسام الكتاب هذه المفاهيم ضمن إطار زمني محدد، لتقديم فهم عميق للعين التي أُدرك بها الفضاء في المجتمع العباسي، بما يختزله نتاج أدبائه وفلاسفته من محمولات دينية واجتماعية وتاريخية.
