ظاهرة «الذكاء الاصطناعي الخفي»: موظفون يلجأون للتقنية سراً لمواجهة بطء أصحاب العمل

1826939.jpeg

على غرار كاميل، المهندسة المعمارية التي يوفر عليها الذكاء الاصطناعي «وقتاً هائلاً»، يلجأ عدد كبير من الموظفين الفرنسيين إلى هذه الأداة من دون موافقة أصحاب عملهم، في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة رداً على الأساليب القديمة والبطيئة التي لا تزال شركاتهم تعتمدها، وتقصيرها في تبنّي التقنيات الحديثة.

تُدير صوفي (اسم مستعار)، وهي مديرة عقارات تبلغ من العمر 38 عاماً، 500 عقار وتضطر للتعامل مع الحالات الطارئة، فضلاً عن «مئات رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة». وتصف كمية العمل بـ«الهائلة»، مشيرة إلى أن ضغوط المسؤولين عنها تزيد الوضع سوءاً.

وتُعدّ صوفي الأدوات المستخدمة داخل شركتها «متقادمة»، وترى أن مديريها يفشلون في مواكبة التطور، مضيفة: «لا توفر الشركات الأدوات اللازمة لتسهيل العمل، مما يسبب إحباطاً كبيراً للموظفين».
دفع ذلك بالموظفة الثلاثينية إلى الاشتراك على نفقتها الخاصة بخدمات نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» (Claude) من شركة «أنثروبيك»، واستخدامه لصوغ الردود على المالكين والمستأجرين. وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يتعين علي التحقق من النقاط القانونية للتأكد من عدم وجود أخطاء، إلا أنه يوفر علي مع ذلك وقتاً هائلاً. إنه أشبه بتكليف شخص آخر إنجاز عمل يتطلب وقتاً طويلاً».
ما هو «الذكاء الاصطناعي الخفي»؟
يُعرف هذا النوع من الاستخدام بـ«الذكاء الاصطناعي الخفي» (Shadow AI)، وهو مصطلح يُطلق عندما يلجأ الموظفون إلى أدوات التقنية الحديثة من دون إشراف أو موافقة من الشركة.
ويؤكد جيروم بيلوا، الخبير في أمن المعلوماتية في شركة الاستشارات «وايفستون»، أن هذه الظاهرة باتت «منتشرة إلى حد كبير» في القطاعين العام والخاص على حد سواء. ويوضح بيلوا أن «الأدوات التي تقترح المؤسسات البدء باستخدامها تخضع لقيود تنظيمية وميزانيات محددة، ولا تكون دائماً بكفاءة تلك المتاحة للخارج مقابل عشرات اليوروهات».
ويتابع: «بحلول الوقت الذي تجد فيه هذه الشركات النماذج التي تتماشى مع سياساتها الداخلية، تكون تلك الأدوات قد أصبحت قديمة بالفعل مقارنة بما هو متوافر للجميع، لا سيما بالنظر إلى السرعة الجنونية التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي».
ووفقاً لمؤشر «وورك تريند إندكس» (Work Trend Index) الصادر عن «مايكروسوفت لينكد إن»، فإن 75% من الموظفين حول العالم كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل عام 2024، و78% منهم يستخدمون أدواتهم الخاصة.
وتقول كاميل إنه على الرغم من أنها تقوم بمراجعة النتائج والتحقق منها وتعديلها، فإن الذكاء الاصطناعي يكون قد أتم بالفعل ما بين 80 إلى 90% من العمل، مضيفة: «لم يكن رؤسائي يريدون الالتفات إلى هذه المسألة، لذا فعلت ما بوسعي باستخدام الأدوات العامة المتاحة للجميع».
العمل «في الخفاء» واستباق اللوائح
توضح سيسيل دوجو، مديرة مرصد التحولات الإدارية والموارد البشرية في المعهد الوطني للفنون والمهن، أن «غياب الأدوات أو التوجيهات من جانب الشركات يشجع على هذه الممارسات». وتشير إلى أن بعض الشركات تحظر على موظفيها استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أنهم يلجأون إليه رغم ذلك لتسريع العمل وكسب الوقت.
وبينما تكون شركات أخرى منهمكة في «صوغ» إطار محدد لاستخدام هذه التقنية يشمل المعايير الأخلاقية والأدوات اللازمة، يكون الموظفون قد بدأوا بالفعل باستخدام نماذجهم الخاصة «في الخفاء»، مما يكشف الفجوة الواسعة بين تحديد القواعد والتجربة العملية على الأرض.
وتتابع دوجو أنه بمجرد أن يلمس الموظفون فوائد هذه الأدوات، يصبحون «نوعاً ما مدمنين عليها»، وتصبح الأدوات الرسمية التي توفرها الشركات لاحقاً غير قادرة على منافسة تلك التي اعتادوا استخدامها.
مخاطر أمن البيانات وخصوصية المعلومات
تثير هذه الظاهرة مخاوف جادة تتعلق بالخصوصية والأمان، وسط احتمالات تسرب بيانات سرية خاصة بالشركات.
وتؤكد شهرزاد عبوب، المحامية المتخصصة في قانون البيانات، أنه عند إرسال أي بيانات إلى الذكاء الاصطناعي يجب «أن نتعامل معها كما لو كنا ننشرها على أرض الواقع»، مضيفة: «لا يمكننا مشاركة البيانات التي تتضمن أسرار الشركة، أو طريقة عملها، أو معلومات شخصية».
إلا أن كاميل تقلل من هذه المخاوف، وترى أن الأدوات المستخدمة يومياً لا تضمن أصلاً الحفاظ على سرية المعلومات، بدءاً من «رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى منصة تيمز». وتضيف أن أصحاب العمل يقللون من أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي ومن حجم «العبء الزائد» الذي يعانيه الموظفون.
ولمنع استمرار الموظفين في استخدام التقنية سراً، ترى سيسيل دوجو أن على المسؤولين في الشركات «وضع خريطة طريق» واضحة تحدد الاحتياجات، والأدوات المسموحة، والإطار التنظيمي لاستخدامها داخل الشركة.
ويرى أحد مسؤولي الاتصالات (41 عاماً)، فضّل عدم الكشف عن هويته: «لا أحد في المكتب يقر بذلك علناً، ولكن الجميع يفعل! من منا لا يستخدم ChatGPT؟ مجرد التفكير في حظره أمر عبثي».