صنمات.. عندما ثارت الكرامة ضد طغيان الإمامة
بلال الطيب
نحن اليمانين جُبلنا على أنَّ كرامتنا فوق كل شيء، وإنْ كانت هذه الكرامة قد رضخت، وبعثر بهيبتها فوق التراب؛ بفعل جبروت الطغاة من بيت حميد الدين، وأسلافهم، الذين استغلوا جهل الشعب المُشبع بالثقافة الدينية البسيطة، وأوهموهم أنَّهم يحكمون بأمر الله، وأنَّ طاعتهم والرضوخ لاستبدادهم من طاعة الله، وفق تبريرات خادعة، كانت أساس سلطتهم، ومصدر قوتهم، وقوة من أتوا بعدهم، وما يزال –للأسف الشديد– لتلك المأساة الخادعة والمُتجددة مُتسع وبقية.
كانت تصرفات عساكر الإمام (العُكفة) تُثير الرعب والـخوف والغضب عند كثيرين، وكان الصبر على أذاهم سمة دائمة تدور في بوتقة طاعة الله، وطاعة ولي الأمر، وفي حال تجاوزت تلك التصرفات الرعناء ما لا يستسيغه العُرف، ولا التدين العفوي البسيط، كان التَمرد والثورة.
ما حَدث في صَنِمَات، وهي إحدى عُزل ناحية المِسراخ التابعة لجبل صبر الأشم، في مُنتصف مايو من العام 1920م، من انتفاضة أو تَمرد، تدور في ذات المسار الذي أشرنا إليه آنفًا، ومبعثها تصرفات رعناء قام بها حوالي 50 فردًا من عساكر الإمام يحيى، أرسلهم عامل صبر حسين بن محمد جبالة لجمع واجبات الجبل، إلا أنَّ أولئك العسكر خرجوا عن السياق المعهود للمأموريات، إلى سلوكيات أكثر شذوذًا، نفد عندها الصبر، وتوقفت الطاعة، وثارت الكرامة.
ذات مَساء، وأولئك العساكر ما زالوا مُقيمين في عددٍ من قُرى عُزلة صَنِمَات، ودورها العتيقة، كدار المصرع، ودار النكر، ودار النجادي، ودار الزَرَبة، ودار السقيفة، استخف قائدهم العريف حمود الرداعي بالمواطن عبدالمجيد عبدالقوي العقور (نسبة لقرية العقور)، وطلب منه أنْ يُرسل إليه زوجته (الشوفة) كي تدلك له قدميه، تلقى المواطن ذلك الطلب الفاجعة ببرود شديد، مُجيبًا بالقبول، وبأنَّه سيجلب السمن البلدي –أداة التدليك– بكلتا يديه.
الانتقام لحظتها كان هو القرار الوحيد الذي كَتمه الثائر عبدالمجيد العقور في نفسه، وما إن أبلغ أهله وذويه وأصحابه بذلك، وبالأخص رفاقه الثوار من صنمات ومن المناطق المُجاورة، كعبدالحميد شمسان، وعبدالحميد نُعمان، وعبدالولي عبدالملك، ومحمد غالب مُحسن، وإبراهيم هزاع سعيد، وحمود هزاع سعيد، وغيرهم، حتى قُرعت الطبول، وذُبحت الذبائح؛ وكأنَّ عُرسًا سيُقام، وهو المَدخل للخُطة المُحكمة التي اتفقوا عليها جميعًا، وانطلت على العساكر الإماميين وقائدهم الرداعي.
حُشود العُرس الوهمي تـوالت من قُرى عُزلة صنمات، ومن قُرى العُزل المجاورة، وبالأخص من عُزلتي خُريشة، وحَصْبَان، والعساكر –في الدور السابق ذكرها– مُنتظرون للغداء، وتدليك الأقدام! وبذات السكاكين التي ذبحت بها أثوار الوليمة، وبالجنابي أيضًا، فُصلت رؤوس بعضهم عن أجسادهم، ثم وضعت بكبرياء فوق مائدة غدائهم الأخير، الذي هموا بتناوله لتوهم.
وتجسدت تفاصيل ذلك المشهد الانتقامي بقيام الثائر عبدالمجيد العقور وولده محمد وأصحابه بالإجهاز على العساكر المُتواجدين في قريتهم، فيما تولى الثائر عبدالحميد شمسان مهمة الإجهاز على العساكر المُتواجدين في داري المصرع، والنجادي، الواقعين في مركز العُزلة (قرية صنمات)، وتولى الثائر محمد غالب محسن من عُزلة خريشة مَهمة الإجهاز على العساكر المُتواجدين في دار الزَرَبة المُطل على منطقته (خريشة)، والأخيرة تقع أسفل عُزلة صَنِمَات من جهة الجنوب.
حاول عُكفيان الهروب من ذلك الموت المُحقق، نجح أحدهما بالقفز من سطح أحد تلك الدور، وذهب مُخضبًا بدمائه إلى من يهمه الأمر، إلى أمير تعز علي الوزير (الذئب الأسود)، أما الآخر فقد لحق به الثائر عبداللطيف محمد شمسان، تعارك معه، وحين استعصى عليه، طلب من أخيه أن يطلق الرصاص عليهما، امتنع الأخ، فخاطبه: «لا يهم اقتلني معاه»، فأطلق الأخ النار، وأصيب عبداللطيف في يده، أما ذلك العُكفي فقد خرَّ صريعًا على الفور.
دخلت زوجة المواطن الثائر عبدالمجيد العقور إحدى الدواوين المليئة بالجثث، وداستها بأقدامها، وهي تقول: «أني بافحسكم الآن»، ثم خضبت يدها بالدماء، وحطت ثلاث نقاط على وجهها، نقطتين على خديها، ونقطة على جبينها، وأصبح ما فعلته زينة عند النساء لعدة سنوات، ليستبدل الدم فيما بعد بالخضاب.
يفتخر أبناء عُزلة صَنِمَات بـانتفاضتهم تلك، ويتناقل الجميع أحداثها المُتسارعة باعتزاز يشوبه ألم، خاصة عند من عايشها عن قرب، فهذا الشيخ الطاعن بالسن عبده أحمد الحيدري رحمه الله (125 عامًا تقريبًا) –هكذا كانت حِسبته عام التقيناه (2009م)– تجاعيد الزمن المرسومة على جبينه تجعل من يقابله يخال البسمة والحديث شاقين عليه، لكنه تبسم وتحدث إلينا بصعوبة.
أطلعنا الشيخ الحيدري على جميع التفاصيل المُرتبطة بذات المكان، وإذا ما نسي شيئًا ما، ذكره من حوله من الأبناء والأحفاد، وما عليه إلا أنْ يُؤكد أو ينفي، وإنْ كانت أغلب الأحداث السابقة مُستقاة منه، إلا أنَّ ضرورة التدقيق جعلتني أستثني ما لا يتوافق مع مِصداقية البحث والتقصي، ولعل الأروع في حديثه حين قال باعتزاز بالغ، وتواضع جم: «إنَّ كل شيء يهون، إلا الكرامة».
الرواية الرسمية الإمامية المُتوكلية لتلك الانتفاضة، حَرَّفت أسبابها، وأغفلت عفويتها، وشيطنت من قاموا بها، وأتت بِمُبررات واهية تتفق وردة الفعل الانتقامية الآتي ذكرها، بل أنَّ عبدالكريم مطهر –المُؤرخ الرسمي للإمام يحيى– في نقله لأحداثها، جعل منها ثورة منظمة، وقال إنَّ أبناء صَنِمَات استغلوا توجه عساكر الإمام من تعز إلى زبيد لإخماد أحد التمردات هناك (يقصد انتفاضة قبيلة الركب)، وقاموا بتمردهم ذاك. وأوضح ذات المُؤرخ ذلك المشهد بقوله: «ولما توجه أكثر الجند من تعز إلى زبيد، بقي الأمير –يقصد علي الوزير– في قلة من العسكر، ولم يكن حينئذ إحساس لأقل شر، فاغتنم ذوو النفاق فرصة تلك الحال، وأوحوا إلى شيطانهم ما أوحوا من شر الأقوال».
ثم يمضي المُؤرخ عبدالكريم مُطهر في نقل تفاصيل تلك الانتفاضة بكلام إنشائي مُمل، تكرر في كتابه (كتيبة الحكمة) مرات عديدة، إلى أنْ قال: «فإنَّها سولت لهم أنفسهم الشيطانية الإقدام على العسكر المذكورين، واغتيالهم أقبح اغتيال، والتمثيل بهم بعد التالي منهم على ذلك، وكانت فتكة شنيعة، اضطرب لها حبلُ الأمن في جبل صبر جميعه، لا في صَنِمَات فقط».
لم يبتعد المُؤرخ أحمد الوزير كثيرًا عن ذلك المسار المُتخبط، أسمى تلك الانتفاضة بـ (المُؤامرة الخطيرة) التي حاك خطتها بعض زعماء المنطقة، وبإيعاز من عامل تعز أحمد بن علي باشا المُتوكل! وأضاف: «وكانت صَنِمَات مُنطلق هذه المُؤامرة؛ لحصانة موقعها، ومناعة بيوتها، وبأس رجالها، وكانوا يأملون أنَّ تحصين القرية وسورها، وارتفاعها في قمة الجبل، سيمنع التغلب عليها، فإذا امتنعت وتغلبت تداعى سائر الجبل، وتماثل أهلوه على نحو ما فعلت صَنِمَات»!
وأضاف سببًا آخر لتلك الانتفاضة، غير الذي ذكرناه، حيث قال: «وبدأ ذلك التمرد عندما أرسل عامل صبر السيد حسين جبالة باستدعاء أحد المشايخ لحضوره للانتصاف والشريعة مع خصم ضعيف، فقتلوا الجندي، ولم يأتِ منه خبر، ولما لم يعد؛ أرسل العامل اثنين من الجنود، فقتلوهما، ولم يعد لهما خبر، ثم أرسل خمسة من الجنود، فقتلوا بعضًا منهم، وفرت البقية، فأرسل عليهم العامل خمسين جنديًا، فتلقاهم أهل صَنِمَات بالترحاب، وفرقوهم في البيوت كضيوف للغدر بهم».
وذات السبب كرره المُؤرخ حمود الدولة، وبصورة مُختزلة، ليس فيها إشارة لسقوط ضحايا، وغلب على سرده الإطناب والسجع، وقد أكمل ذلك المشهد بقوله: «وكانوا –أي ثوار صَنِمَات– قد احتالوا بتفريقهم –يقصد تفريق العساكر– للضيافة، في البيوت هنالك، فساعد بعضهم، وتحذر آخرون عن ذلك، ولما أحضروا غداء ذلك اليوم المتواعد الغدر فيه، باشر كل جماعة من كان لديه».
تلقى أمير تعز علي الوزير ذلك النبأ الرهيب بذهول شديد، وعن ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «فلم يشعر الأمير وهو بتعز مُقيم، إلا بما كان من أهل صَنِمَات من البغي والعدوان، ومُتابعة الشيطان، وإقدامهم إلى اغتيال العسكر.. وتحير الأمير لقلة ما لديه من الجند، وخطر الحال، وما رآه من الجد، وقد أظهر أولوا النفاق ما في ضمائرهم من الإفساد، وأكثروا الإرجاف والإبراق والإرعاد، فلم تكن لديه من وسائل الدفاع غير الفزع إلى الله تعالى، والابتهال إليه في حفظ بيضة الإيمان بكمال الانقطاع».
وزاد من قلق الذئب الأسود أكثر، قيام بعض أبناء القُرى والعُزل المُجاورة لصَنِمَات، بمساندة ثوار تلك العُزلة، وعن ذلك قال المُؤرخ حمود الدولة: «وشددهم إلى بغيهم من أظهر المعاونة، وأنَّه لهم لمساعد، وسرى ذلك إلى بعض العُزل، من ناحية الجبل، فعاونوهم باطنا، وكان الاختلال معهم كامنا».
والأشد والأنكى من ذلك، أنَّه –أي الأمير علي الوزير– كان خائفًا من ثورة كُبرى تقتلعه من تعز، ولأنَّ له تجربة مريرة مع سكان جبل صبر الذين استقبلوه أواخر العام الفائت –حال وصوله– بانتفاضة عارمة، هدَّت كيانه، بادر أول ما بادر بإرسال ما لديه من عساكر، رغم قلتهم، وعززهم بأحد المدافع السريعة، وكلفهم بالانضمام إلى عامل صبر حسين جبالة، الذي رابط حينها في قرية الصراري التابعة لعُزلة النجادة، والقريبة من عُزلة صَنِمَات، والواقعة في شمالها الغربي، وبذلك –كما أفاد المُؤرخ مُطهر– توقف اختلال الجبل، وانحصر التمرد في المنطقة الثائرة.
لم يكتفِ أمير تعز بذلك؛ بل أرسل إلى عامل إب إسماعيل باسلامة طالبًا النجدة، ومن تلك المنطقة ومناطق أخرى جاءه المدد، وعن ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «فلم يمض غير أيام قلائل إلا وقد وصلت إلى تعز الجنود من إب وسواها، وكلما وصلت طائفة أرسلها الأمير مددًا للسابقين، فاجتمعت العساكر في الجبل، ووجه الأمير همته إلى إمدادهم بما يحتاجون إليه من الذخائر والأزواد، وأناط كل طائفة بأمير، وأحكم في ذلك التدبير».
من جهته قال المُؤرخ أحمد الوزير، إنَّ عمه الأمير كلف عامل جبل صبر حسين جبالة بقيادة تلك القوت مُجتمعة، التي عددها بأربع سرايا من الجيش النظامي، مسنودين بأحد الـمدافع السريعة، ومعززين بـمجاميع قبلية من الـجيش البراني، غالبيتهم من قبائل بــرط، وأرحب، ونهم، وبلاد الروس، وقِلة من قبائل المناطق الوسطى، ومن قضاء العدين تحديدًا.
استعد في تلك الأثناء أبناء صَنِمَات لحربٍ طويلة الأمد، وتحصنوا في حصونهم المنيعة، التي قال عنها المُؤرخ مُطهر بأنَّها «في غاية الحصانة والمناعة، وأبنيتها تناطح النجوم رفعة، وتماثل الجبال تشييدًا وإحكامًا»، وملأوها بالحبوب والأقوات، وشمروا عن سواعدهم للقتال، إلا أنَّ النزال كان –كما سيأتي– فوق طاقاتهم وقدراتهم المُتواضعة.
ذات جُمعة، وبتوجيه من الذئب الأسود نفسه، شنَّ الإماميون هُجومهم الكاسح على صَنِمَات، ومن أكثر من اتجاه، ومهدوا لذلك الهجوم بضربات المدفعية، ولولا تلك الضربات المُتتابعة، لصمدت حصون تلك العُزلة، ولطال صمود ثوارها، ولقاموا بطرد القوات المُهاجمة، والتنكيل بها شرَّ تنكيل.
أشاد المُؤرخ الإمامي حمود الدولة على غير عادته بأولئك الثوار، وقال عن ذلك الهجوم، وعنهم: «كان قدوم المجاهدين على من تأبط شرًا من المعاندين، وأنَّه مع منعة بلادهم وحصانتها، كانوا رجالًا مُجربين في الحروب وخوض غمراتها، يعرفهم بذلك كل حديد، ويقر لهم كل قريب وبعيد؛ بل البالغ أنَّهم كانوا في فَترة الدولة الماضية يجتمعون ويحتشدون ويغزون البلاد النائية، وفيهم من الجلد والشدة والبسالة ما وصفهم بها من يعرفهم ممن له عرفان بما مضى أحواله».
أما المُؤرخ مُطهر، فقد أكمل ذلك المشهد بقوله: «فأقبل إليهم –يقصد إلى الثوار– الجند الإمامي كالسيل المُتدافع، وفتح الحرب عليهم، وضربت دورهم بالمدافع، فهدمت منها المشيد، وأسمعتهم من أصواتها صوت الصواعق المُبيد، وبادرتهم الجنود كالعقبان الكواسر بالهجوم، لا يبالون بما يمطرونه عليهم من رصاص بنادقهم، ولا بما يُرسلونه من الأحجار، إلى أنْ قبضوا بعض الدور، وانحصر الباقون في باقيها».
لم تعتن الذاكرة الشفهية بتوثيق تفاصيل تلك المعركة، ولم يصلنا عبرها سوى النزر اليسير، وتمثل أبرزها –حسب إفادة الصحفي بندر المحيا، نقلًا عن معمرين– ببروز اسم قائد إمامي اسمه يحيى علي مهدي، اشتهر بـ (ابن سويدان)، تولى مهمة الهجوم الأول، ولقي مَصرعه في القُرب من دار الزربة، وذلك على يد الثائر محمد غالب مُحسن من عُزلة خُريشة المُجاورة، وبمساندة مائزة من قبل الثائرين عبدالحميد شمسان من صَنِمَات، وعبدالحميد نعمان من حصبان، والأخيرة أيضًا عُزلة مجاورة لصَنِمَات، وتقع في شمالها الغربي.
الشاعر الشعبي مُكرد البدوي، نسبة لخدير البدو، والذي حل حينها ضيفًا في عُزلة النجادة المُجاورة، ولمدة شهرين، تسنت له مُعايشة معظم تلك الأحداث عن قُرب، ونقل تفاصيلها بقصيدة طويلة، ولأنَّ تناقل تلك القصيدة تم شفاهة، ولم تحظ بالتدوين الجيد، فقد فقدت بعض أبياتها، وحُرفت بعض كلماتها، واختل وزنها، وهي على ركاكتها لا تخلو من معلومات مهمة، سننثر أبرزها في السطور التالية.
اختزل الشاعر مُكرد لحظات الهجوم الإمامي الأول، الذي تولى قيادته القائد ابن سويدان بقوله:
مـــن بعـــــد هــذا جـــــَــــانـــــا هـــاجس دفر
من بحـــــر سيحـــــون ويغــــرف من الجوهر
وقـــــم يـــــا فتـــى وخـــذ القـــــلـم واشـــعر
واذكر صُنـــامة حيـــــث الـــــذخـــــائر تندي
والـــــزم تِلـــزم وعنــد الصبـــــح شِطــــــلعْ
وهــز الجبــل جُمــــلة واذكر بنــــي مصرع
يـــــــا أهـــل الـــــــذخــائر والـــروم تقــــطع
والطيــــــر عـــاكـف والتحــــــاضيـــــر تندي
جُــمــلــــة فــــــــي صُـــــــنـــامـة تُــــــكــسر
مــــــن بعـــــــد ما بــــــــدي هــــذا الأعــــور
طَلَّــــع مـدافـــــــــع ونـــظــام وعســـــــــكر
قــــائـــــدهم بن ســـويدان يحيى علي مهدي
اعتنى الشاعر مُكرد بتخليد بطولات ثوار صَنِمَات، ووصف تنكيلهم لعساكر الإمامة بصورة مُبالغ فيها، وشنع على الأخيرين وأميرهم علي الوزير الذي نعته بـ (الأعور)، وتحدث عن مصرع قائد هجومهم الأول (ابن سويدان)، الذي أغفل مؤرخو الإمامة ذكره، وعدد ضحاياهم بـ 90 قتيلًا، غير الجرحى، في حين تجاوز عدد ضحايا الطرف المُقاوم الخمسة شهداء.
أدرك بعد ذلك من تبقى من ثوار، بأنْ لا طاقة لهم بمواجهة ذلك الجيش الجرار، فتسللوا هاربين من أطراف عُزلة صَنِمَات، وفي جنح الظلام، وعن ذلك قال المُؤرخ عبدالكريم مُطهر: «فعلموا حينئذ أنَّهم لا طاقة لهم بالصبر على هذه الحرب الضروس، ولا بملاقاة هجمات المجاهدين، وقد أنزلوا بهم كل بؤس، وقتلوا منهم عدة، وأخذوا منهم بثأر من قتلوهم غيلة، في أوجز مدة، فدافعوا عن أنفسهم إلى أنْ أسبل الليل أستار ظلامه، وانسلوا من طرقٍ لا يعرفها سواهم».
أشاد المُؤرخ أحمد الوزير –هو الآخر– بثوار صَنِمَات، وحدد المدة الزمنية لهذه المعركة الحاسمة بأكثر من يومين، وقال: «وقد واجه أهل صَنِمَات هذا الجيش ببسالة، واستمرت المعركة أكثر من يومين، واكتسح الجيش القرية الحصينة».
بعث الشاعر الإمامي علي بن عبدالله الشامي –بعد ذلك– بقصيدة طويلة للأمير علي الوزير (يونيو 1920م)، هنأه فيها بذلك النصر، وبتوصيف أدق بذلك النصر الذي لم يكتمل، وقال عن تلك المعركة:
ويـــــــوم ظــــــل نــــــــار الحرب فيه
مــــنــــبــئــــــة بــــــأيــام الـــمـــــعـادِ
كيـــــــوم الجـــــمـــــعــــــة الغراء لما
كســا حصــبــــان أثواب الحـــــــــدادِ
وقــــــــــــد ثكلتــــه من صَنِمَات دور
مُجللــــــــة بــأكــــــفــــــان الـــرمــاد
وشنــت غـــــارة بخــميس جيشٍ
يضـيــــــق لـحـــــربها صــــم الجمـاد
فيـــــا سُحقًــــا لحصـــــبــــان وبُعدًا
بــــــه صَنِمَات مُــــلحـقــة بــــعــادِ
استباح عساكر الإمامة بعد ذلك عُزلة صَنِمَات، وما حولها من عُزل وقرى مُعلقة، وأفرغوا الشعاب من الأنعام، والمدرجات الزراعية من المحاريث، والمدافن من الحبوب، وصادروا جميع الأسلحة والذخائر من المواطنين، ممن شاركوا في تلك الانتفاضة أو لم يُشاركوا، وعن ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «واحتوى المجاهدون على أموالهم، وأرضهم، وقراهم، واستأذنوا في قلع قاتهم، وهو شيء كثير.. فقلعوه من أصوله».
امتدت أيادي أولئك العساكر المُتوحشين بعد ذلك إلى مَنازل المُواطنين، وقامت وبتوجيه من الإمام يحيى نفسه بهدمها، وتركها قاعًا صفصفًا، باستثناء المُشرف منها، التي ارتأوا الإبقاء عليها، وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، وعن ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «ثم أمر مولانا الإمام بهدم دورهم التي كان فيها جرأتهم على العصيان، وفعل ما يُغضب الرحمن، وشدد الإمام في ذلك، فمكثت أيدي الخراب تعمل في تلك المباني مدة غير قصيرة، إلى أنْ ألحقت بالعدم».
وقال المُؤرخ حمود الدولة مُتباهيًا: «وكان الأمير قد فاوض الإمام في أمرهم، وما جرى من تعديهم ونكرهم؛ فأمر الإمام حفظه الله بهدم كل دار بُنيت للفساد في بلادهم، أو تأهبت للعناد من آبائهم وأولادهم، فأهدم جميع حصونها هدمًا بتا، وصارت قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عِوجًا ولا أمتا، إلا ما انتخبه من المحلات الحصينة، والدور الزبينة، فكان إبقاؤها للترتيب فيها، وكان استحسان المحافظة عليها».
المهام النضالية لأبناء صَنِمَات لم تتوقف عند حدود تلك الانتفاضة، فالاستباحات المُطلقة لممتلكات الرعية، وتدمير مَنازلهم المتواضعة، وتحويل من تبقى منها لثكنات عسكرية، جعلت كثيرًا من الثوار المُتحمسين، والمُهجرين قسرًا، يضيقون ويتذمرون، ويلجأون لحرب عصابات، وكانوا يقومون بين الفينة والأخرى بمُناوشات وتحرشات استنزافية، كلفت العساكر الإماميين المُحتلين لقُراهم الشيء الكثير.
اعترف المُؤرخ حمود الدولة بإحدى تلك العمليات، التي تولى هو نفسه مهمة إخمادها، حيث كان يشغل حينها منصب حاكم العدين، ولأنَّ انطلاق تلك العملية الاستنزافية كان من عُزلة خُريشة المُجاورة، والواقعة كما سبق أنْ ذكرنا أسفل عُزلة صنمات من جهة الجنوب، فقد كان مُرور ذلك القائد بوادي الضباب، وصولًا إلى عُزلة عَرش، ومن الأخيرة قام بهجومه المضاد.
وقد صور ذات المُؤرخ تلك العملية بقوله: «وأخيرًا بلغ رجوع الأشرار منهم إلى مَحل خُريشة، ومناوشة المراتب ليلًا ونهارًا، مُتأبطين شرًا، استفز كل واحد منهم طيشه، فجهز الأمير سرية نافعة، وعصابة رائعة، في قيادة حاكم العدين، وأرسل معه من الرؤساء من توضح نصحه ومحبته لخير الثقلين، وأرسل معه المدفع السريع، والمونات التي تملأ الفضاء الوسيع». وأكمل ذلك المشهد بقوله: «ولما باشرهم المجاهدون، لم يثبتوا –أي الثوار– وولوا على أعقابهم مُدبرين، وقتل منهم جماعة من أشرارهم الخاسرين، وخمدت نارهم المتطايرة، وطفيت شرارهم المُتكاثرة».
أما المُؤرخ مُطهر فقد تحدث عن تلك العمليات الاستنزافية بصيغة عامة جامعة، ونفى نجاح أي منها بتحقيق أهدافها، وقال: «وبعد فرارهم –يقصد الثوار– ظنوا أنَّهم سيتمكنون من إنزال الضرر على المجاهدين بالطرق ليلًا، والتردد على تلك الأطراف، فضبطت الأطراف، ولفظتهم الأطراف جميعها، ولم يتوصلوا إلى شيء».
وما لم يعترف به المُؤرخان مُطهر، والدولة أنَّ الجلاء التام لأولئك العسكر تحقق بفعل تلك الضربات المُوجعة، المتبوعة أصلاً بهَجر قبلي، ثور للإمام، وثور للعُكفة، لتنقشع بذلك صفحة مظلمة عاشها أبناء عُزلة صَنِمَات لشهور، عاد بعدها غالبية السكان إلى قراهم، وذلك قبل أنْ ينتهي ذلك العام، فيما استقر بعضهم في منطقتي عبدان، والصرمين، الواقعتين شرق جبل صبر، ولا يزالون هناك حتى وقتنا الراهن.
أخذ بعد ذلك أمير تعز علي الوزير من أبناء المنطقة ديات القتلى، وهي الديات التي تكفل الشيخ عبدالله يحيى الصبري بدفعها، حسب إفادة حفيد الأخير الشيخ أمين حسن الضباب. وأخذ منهم –أي أمير تعز– رهائن الطاعة، وتم إيداع الأخيرين في سجن قلعة المقاطرة، وقد حددتهم الذاكرة الشفهية بخمسة رهائن، ثلاثة من عزلة صَنِمَات، ورابع من عزلة حصبان، وخامس من عُزلة خريشة، والأخير اسمه عبدالله محمد غالب، نجل الشيخ محمد غالب مُحسن، قاتل القائد الإمامي ابن سويدان، كما سبق أنْ ذكرنا.
وما يجدر ذكره أنَّ الأمير علي الوزير لم يسمح للعائدين ببناء منازل جديدة إلا بعد مُوافقة الإمام يحيى، وعن ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «وأذن مولانا الإمام لهم بعمارة مساكن لهم، تليق بهم، وانقضت فتنتهم التي أحرقتهم، وصلحت الأحوال، وعادت الأمور إلى مجاريها بفضل الرب المتعال».
إنَّ الثورات والانتفاضات المنظمة التي قادها أهل العلم والدراية، هي من حظيت بالاهتمام، وما دونها من ثورات وانتفاضات عفوية ارتجالية، محصورة في مناطق معينة، فإنَّها –وعلى كثرتها– لم تحظَ بالدراسة والتوثيق إلا ما ندر، ومن هذا المنطلق، تبقى الدعوة مفتوحة لأولئك المفتونين بالتاريخ، الباحثين في أغواره عن كل جديد، أنْ يخوضوا غمار البحث والتقصي عن جميع التفاصيل الثورية المُنتصرة للكرامة، تمامًا كتلك التي حدثت في عُزلة صَنِمَات.
– من كتاب (حرب العصيد.. جنايات يحيى حميد الدين على اليمنيين).
