“ابتسامة الدولار” تعود للمشهد: قوة الاقتصاد والملاذ الآمن يربكان توقعات الأسواق

6abbf6c7008d1

عاد الدولار الأمريكي ليؤدي دوراً مزدوجاً فاجأ العديد من المستثمرين؛ حيث بات يستفيد من متانة الاقتصاد الأمريكي مقارنة بالمنافسين التقليديين، وفي الوقت ذاته يستمد قوته من تفاقم المخاطر الجيوسياسية والمالية العالمية. هذه الظاهرة — التي أُطلق عليها اقتصادياً مفهوم “ابتسامة الدولار” — عادت للواجهة مجدداً بعد فترة من الشكوك، مدفوعةً بالتشديد النقدي للبنك الاحتياطي الفيدرالي، وصدمة أسعار الطاقة في أوروبا، إلى جانب المخاطر المالية المتصاعدة في فرنسا.
أجبر هذا التحول مؤسسة “مورغان ستانلي” على التخلي عن توقعاتها السابقة بضعف العملة الأمريكية؛ حيث رفعت تقديراتها لمؤشر الدولار (DXY) من 96 إلى 102 نقطة، على خلفية النهج المتشدد للاحتياطي الفيدرالي. واقترب المؤشر بالفعل من أعلى مستوياته في شهرين، مسجلاً مكاسب شهرية قد تكون الأبرز منذ يونيو.
تغير المعادلة والرهانات المعكوسة
كان الرهان الأساسي على هبوط الدولار يقوم على فرضية تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، وهو ما كان سينسحب على سياسة الفيدرالي بدفعه نحو التيسير النقدي وتقليل جاذبية الأصول الأمريكية. لكن المعادلة انعكست؛ إذ رفع الفيدرالي أسعار الفائدة مؤخراً وأكد أن التضخم لا يزال أعلى من المستهدف وأن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية، مع التلميح لزيادات إضافية محتملة. وفي الوقت نفسه، جاءت صدمة أسعار النفط والطلب المتزايد المرتبط ببنية الذكاء الاصطناعي التحتية لتضيف ضغوطاً تضخمية جديدة.
ويرى خبراء أسواق المال أن الأداء الاقتصادي القوي والفائدة المرتفعة يشكلان مغناطيسياً يجذب رؤوس الأموال نحو الأصول الدولارية. وفي حال اشتعال الأزمات الجيوسياسية أو المالية، يعزز الدولار مكاسبه بصفته ملاذاً آمناً وعملة الاحتياط الأولى عالمياً. ورغم ذلك، برزت إشارة تحذيرية تمثلت في هبوط ثقة المستهلك الأمريكي لأدنى مستوياتها منذ عام 2014، مما يجعل بيانات التضخم وسوق العمل القادمة اختباراً حاسماً قد يعيد فتح باب التراجع إذا تباطأ الاقتصاد حاداً دون وجود أزمات عالمية موازية.
ضعف البدائل يُعزز هيمنة الدولار
لا تتوقف قوة الدولار عند العوامل الداخلية فحسب، بل تتغذى أيضاً على تراجع البدائل الدولية:
* تراجع اليورو وضغوط الطاقة: انخفض اليورو ملحوظاً أمام الدولار إثر صدمة الطاقة التي رفعت أسعار الغاز الأوروبي لمستويات تهدد النمو الصناعي وتغذي التضخم.
* المخاطر المالية الفرنسية: تتزايد المخاوف بشأن مالية فرنسا العامة، حيث اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياته منذ أزمة الديون السيادية، مما رفع تكلفة التأمين على الديون الفرنسية.
ضغوط مضاعفة على الأسواق الناشئة
يشكل صعود الدولار بالتوازي مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية مزيجاً مؤلماً للاقتصادات الناشئة، حيث يتسبب في:
* نزوح جماعي لرؤوس الأموال الأجنبية (خاصة من الأسهم الآسيوية).
* تراجع قيم العملات المحلية واستيراد التضخم من للخارج.
* ارتفاع حاد في تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار، لا سيما لدى الدول التي تعاني من عجز في الحساب الجاري.