د. محمد شداد
تعز: القدر وبعض الشياطين
الساعة 05:01 مساءاً
د. محمد شداد

 

 

قَتَلَ الكُتَّابْ "تعز" الضحية كتابةً وبحثاً وتحليل وإشادة وذم وتقليل لأنها أصبحت الغيمة السوداء في وجه الطغاة والشوكة التي برزت في حلوقهم وأعاقت ابتلاعهم للوطن، وذلك شأنها شأن كل المدن الحيوية والمؤثرة في كل بلدان العالم نظراً لما تمتاز به من مقومات المجتمع الداعي لذلك الإهتمام، حتى صارت أي "تعز" الوجهة الأكثر تفضيلاً للكتاب والباحثين والمراسلين الصحفيين ، وتلك سنن الله بين الخلائق،
 
 ذلك قدر تعز وقدر أبنائها وليس لهم يد في تشكل وصياغة ذلك القدر كما أنه ليس لأحد من البشر ذنب في أنه ولد بلون من الألوان أو في بلد غني أو فقير أو انتسب إلى عرق من الأعراق. القدر الذي جعل الكثير من التعزيين يعيشون حقيقة عشق الوطن ردحاً من الزمن، فقاتلوا  وقتلوا بدواعي ذلك العشق والإنتصار لأنفسهم وللمظلومين من الرعية، أصحاب الصنائع، والمزارع والمهن المختلفة. تعز التي أنا مولع بها ولا يملك أحد الحق في أن يحاكمني على عشقي لها ولليمن وإنشادي لمن أحب والهيام بهمومه، ومقارعة أعدائه وخصومه.
 
 
 إلا أن مفاهيم القوة والعصبة والغلبة وتطبيقاتها المقيته على أبناء اليمن ظلت هي المهيمنة بعنف على كل اليمنيين حتى على أصحاب القدرات السياسية والعلمية والأكاديمية ابتداءً من عبد العزيز عبدالغني الذي حصل على شهادة الماجستير في الاقتصاد عام 1957م من أمريكا وكتب وتكلم الإنجليزية وعمل زمناً تحت قيادات كانت تفتقر إلى أبجديات القراءة والكتابة العربية، عمل فقط كموظف دائم الحضور ومنطقه الدائم فقط "مرحبا" وهو سلاحه وأداته الوحيدة للبقاء حتى عرف بعدها "بعبده مرحبا"، ولم يشفع له كل ذلك حتى مات وحيداً من بين كل رفاقه المرضى في المشفى السعودي طاوياً معه سِجلَّهُ وأسراره عن الاغتيالات السياسية والصراعات الحزبية والمذهبية والقبلية في تاريخ اليمن المعاصر والذي يبدو أنه كان السبب الرئيس في طي صفحته إلى الأبد.
 
مروراً بكل ثوار ايلول سبتمبر 1962 وانتهاءً بالصلوي عضو مجلس النواب الذي انتهكت كرامته وتم ضربه في بيت القانون والتشريع والحصانه البرلمانية مجلس النواب بيت اليمن الكبير على مرأى ومسمع من كل الناس، والذي لم تشفع له حصانته البرلمانية أو تنكره للمشروع اليمني الحديث وولاؤه للمؤتمر الشعبي وقيادته المطلقة.
 
وكما عاش أولئك في الماضي يعيش بالمقابل شياطين كُثُر في تعز اليوم أوهام مغايرة لأقرانهم، كمغيبين عن حقيقة ما يجري وزادوا عليهم وخالطتهم إما أوهام العرقية السلالية، أو المصالح المادية التي ستنتهي حتماً بانتهاء الوهم، ونزوح العصابات المسلحة من على الهضاب المحيطة بتعز وعودتها إلى أدراج الرياح.
 
تعز ومدن آخرى كثيرة في اليمن عشن مشاريع وطنية حقيقة تمثل الأرض والتاريخ والمظلومية المزمنة والدائمة لليمن، وخزانات بشرية تدفع بأبنائها لخوض المعارك الوطنية الثورية الحقيقية، لإيمانها المطلق بضرورات التغير والتحولات الديمقراطية العادلة وقيام الدولة اليمنية الجامعة والمحققة لكل الطموحات التي تفي بحاجة الطبقات الدنيا الفقيرة والوسطى في المجتمع والتي عاشت على هامش الحياة السياسية والإجتماعية قبل الثورات 14 اكتوبر و26سبتمبر وبعدها.
 
 في الوقت الذي تربع كراسيها لصوص التضحيات والإنتصارات الوطنية من القتلة والجهلة والتي مثلت عائقاً صلباً أمام ولادة وقيام الدولة المنشودة لأبنائها. وصدق البردوني رحم الله ضمير هذه الأمة وحامل همومها حيث قال:
 
الآكلون جراح الشعب تخبرنا *** ثيابهم أنّهم آلات أشرار
 
يشرون بالذلّ ألقابا تستّرهم *** لكنّهم يسترون العار بالعار
 
أكاد أسخر منهم ثمّ تضحكني *** دعواهم أنّهم أصحاب أفكار

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص